ابن الفارض

190

تائية ابن الفارض ( شرح القاشاني : كشف الوجوه الغر لمعانى نظم الدر )

المتعارف ( حاسبا ) ، أي : حاسبا وجودي الجسماني المحسوب من حساب الأهلّة ، وعبّر عن الوجود الجسماني بوجود الوجود ؛ لأن للإنسان وجودين روحانيّا سابقا غيبيّا وجسماني لاحقا عينيّا ، وهو مظهر الروحانية ، وظلّه وجود الشيء حقيقته ظهوره في الواقع ، وللروحاني وقت ، وهو مدة بقائه لا يحضره ولا يحيط بأقطاره ، ويدوم بدوامه ، وللجسماني وقت يحيطه ، ويحضر أوّله ، وينقضي بانقضائه ، فلذلك اعتبر الروحاني ، وكنى عنه بذكر لازمه وهو وقت الجسماني ، حيث استثناه عن جنس الوقت المنفي ؛ فكأنه قال : ( لا وقت إلا وقت الوجود الروحاني ) ، وقوله : ( حاسب ) خبر ( لا وقت ) المستثنى ، وخبر ( لا وقت ) المستثنى منه مقدّر ، وهو معتبر ، و ( الوجود ) الأول منصوب بمفعوليه ( حاسب ) ، و ( الأهلّة ) جمع الهلال ، ثم عبّر عن العالم الجسماني ، ومن انحصر فيه مقيّدا بوقته بالسجن والمسجون ، وعن العالم الروحاني بالجنّة الأبديّة ، وقال : ومسجون حصر العصر لم ير ما وراء * سجّينه في الجنّة الأبديّة يعني : لو غفل المقيّد بوقت العالم الجسماني عن قضاء العالم الروحاني وسعة وقته ، فليس بعجيب ؛ لأنه مسجون مقيّد بقيد الزمان في سجين طبيعته ، ( لم ير ما وراءه ) من سعة الوقت [ 238 / ق ] في العالم الروحاني الذي هو الجنّة الأبدية ، ولما كان الاستقرار في حياق الوسط بالنسبة إلى الجهات المتقابلة من خواص أحوال القطب الذي يدور عليه دوائر الأفلاك ، قال : فبي دارت الأفلاك فأعجب لقطبها ال * محيط بها ، والقطب مركز نقطة أي : بسبب استواء الجهات إلى دارت الأفلاك بوجودي ، وأنا قطبها المعنوي تدور عليّ دوائرها ، وأحيط بأقطارها ، وهذا من عجائب خواص القطب المعنوي أن القطب الحسّي لا يحيط بما يدور عليه ، بل يكون مركز نقطة محاطة مركوزة في وسطه ، وأشار إليه بقوله : ( فأعجب لقطبها المحيط بها والقطب مركز نقطة ) ، وإحاطة الإنسان الكامل بالأفلاك تكون بالعلم والقدرة والشرف والرتبة ، و ( القطب ) في اصطلاح القوم أكمل إنسان متمكّن في مقام الفردية تدور عليه أحوال الخلق ، وهو إما قطب بالنسبة إلى ما في عالم الشهادة من المخلوقات يستخلف بدلا منه عند موته من أقراب الأبدال منه ، فحينئذ يقوم مقامه بدل هو أكمل الأبدال ، وقطب بالنسبة إلى جميع المخلوقات في عالم الغيب والشهادة ، ولا يستخلف بدلا من الأبدال ، ولا يقوم مقامه أحد من الخلائق ، وهو قطب الأقطاب المتعاقبة في عالم الشهادة ، لا يسبقه